محمد بن جرير الطبري
67
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
يقول تعالى ذكره : وكان أصحاب الحجر ، وهم ثمود قوم صالح ، ينحتون من الجبال بيوتا آمنين من عذاب الله ، وقيل : آمنين من الخراب أن تخرب بيوتهم التي نحتوها من الجبال ، وقيل : آمنين من الموت . وقوله : فأخذتهم الصيحة مصبحين يقول : فأخذتهم صيحة الهلاك حين أصبحوا من اليوم الرابع من اليوم الذي وعدوا العذاب ، وقيل لهم : تمتعوا في داركم ثلاثة أيام . وقوله : فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون يقول : فما دفع عنهم عذاب الله ما كانوا يجترحون من الأعمال الخبيثة قبل ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل ئ إن ربك هو الخلاق العليم ) يقول تعالى ذكره : وما خلقنا الخلائق كلها ، سماءها وأرضها ، ما فيهما وما بينهما يعني بقوله : وما بينهما مما في أطباق ذلك . إلا بالحق يقول : إلا بالعدل والانصاف ، لا بالظلم والجور . وإنما يعني تعالى ذكره بذلك أنه لم يظلم أحدا من الأمم التي اقتص قصصها في هذه السورة وقصص إهلاكه إياها بما فعل به من تعجيل النقمة له على كفره به ، فيعذبه ويهلكه بغير استحقاق لأنه لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما بالظلم والجور ، ولكنه خالق ذلك بالحق والعدل . وقوله : وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : وإن الساعة ، وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة لجائية ، فارض بها لمشركي قومك الذين كذبوك وردوا عليك ما جئتهم به من الحق . فاصفح الصفح الجميل يقول : فأعرض عنهم إعراضا جميلا ، واعف عنهم عفوا حسنا . وقوله : إن ربك هو الخلاق العليم يقول تعالى ذكره : إن ربك هو الذي خلقهم وخلق كل شئ ، وهو عالم بهم وبتدبيرهم وما يأتون من الأفعال . وكان جماعة من أهل التأويل تقول : هذه الآية منسوخة . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فاصفح الصفح الجميل ثم نسخ ذلك بعد ، فأمره الله تعالى ذكره بقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، لا يقبل منهم غيره . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن جويبر ، عن الضحاك ، في قوله : فاصفح الصفح الجميل فاصفح عنهم ، وقل سلام ،